شمس الدين الشهرزوري

4

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية

فإنّ « 1 » الحكمة إنّما صارت برهانية محضة من عهد أرسطو ؛ فالذين جاؤوا بعده لمّا لم يكونوا ذوي كشف وذوق ، ولا أولي تألّه وشوق ، لم يأخذوا من الحكمة إلّا ما صحّ عندهم بالبرهان ، دون ما حصل بالحدس والعيان ؛ ولم يدركوا غير ذلك من اللطائف الحكمية والحقائق الكشفية « 2 » والأسرار الذوقية ؛ لا جرم رفضوا كثيرا من اللطائف المهمّة الحكمية ؛ وسطروا ما بقي من الكثائف الغير المهمّة العلمية ؛ وعذرهم في ذلك ظاهر وبيّن ؛ إذ لم يقفوا على الأسرار الروحانية ، والنفوس النورانية ، التي قيل فيها : « من عرف نفسه عرف ربّه » و « أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه » و « اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربّك » و « من عرف ذاته تألّه » ؛ لأنّهم لم يتجرّدوا عن العلائق البدنية والشواغل الكونية ؛ بل دقّقوا وفصّلوا « 3 » فيما أمكن إدراكه بالبرهان ؛ لافتقاره إلى استعمال القوى البدنية والخيالية ، وملاحظة الآلات الحسية . وهذه القوى والآلات ، جسمانية كثيفة ؛ فما يدرك بواسطته ، فيه كثافة مّا ؛ وأمّا ما يدرك بالذات المجرّدة ، من غير ملاحظة القوى ، فيكون لطيفا محضا ؛ فاللطيف يدرك باللطيف والكثيف بالكثيف .

--> ( 1 ) . ن : - فإنّ . ( 2 ) . ن : الكثيفة . ( 3 ) . ب : + فيها .